في هذه الخاطرة القصيرة نوضح جزءًا من التحديات التي تواجه الثورة وتهدد نجاحها وكذلك نتبني نظام برلماني للحكم كطريقاً واضحاً لعبور المرحلة الإنتقالية بسلام وجني مكاسب الثورة
ففي هذه اللحظات الحاسمة من عمر الثورة المصرية تكثر محاولات الالتفاف على مكاسب الثورة و جني ثمارها من قبل مجموعات صغيرة دون إرجاع مكاسب الثورة للشعب الذي قدم الغالي والنفيس في سبيل الحصول على حريته:
فها هو الجيش (و الذي لا أشكك على الاطلاق في وطنيته و تضحيته ولكن في نفس الوقت يدرك كل منصف إن قيادته معينة من قبل حسني مبارك شخصياً أي انها من بقايا النظام القديم ) يحكم البلاد ولا يملك الشعب إلا الرضا به لأنه يعلم إن بدون الجيش فإن المرحلة الجديدة تكون صعبة للغاية
وها هي حكومات تسيير الأعمال تطالب وتصرح بما لا يجوز لمصرف الأعمال فتتكلم عن الشرع في عمل مشروعات قومية و يصرح وزير تعليم في حكومة عمرها عدة أيام بأنه يبحث تغيير نظام الثانوية العامة،
ثم ها هو النقاش عن حل جهاز أمن الدولة ورسم سياسة جديدة لمنظومة الأمن، من يرسمها أهي القلة عالية الصوت أم الكثرة الصامتة
وها هي لجنة تعديل الدستور تعمل على ترقيع الدستور في الغرف المغلقة ثم لا يكون للشعب إلا أن يوافق أو يرفض هذه التعديلات دون الحق في مناقشتها أو إقتراح بديل عنها
وها هو الخوض في التفاصيل و الفرعيات ( مثل أي الانتخابات الرئاسية أم البرلمانية يأتي أولاً ) المبني على فرضية أن الدستور بصورته الحالية أو المرقعة هو دستور البلاد وهذه الفرضية ظالمة لمكاسب الثورة ولا تعطي الفرصة للشعب لتحديد الأطر العامة للدستور أو تحديد مصيره.
إن الخطط المستقبلية لا يجوز أن يشرف عليها الجيش ولا الحكومة الانتقالية ولا يمكن أن تحددها لجان سواء منتخبة أو معينة ولكنها من أصل وظيفة المجموعة الحاكمة بعد انتخابها سواء تمثلت هذه المجموعة في رئيس منتخب أو حكومة ناتجة من نظام برلماني ولا يحق لأي أحد في هذه الأوقات أن يحدد أي خطط أو مسارات مستقبلية إلا بعض إستشارة الشعب عن طريق إنتخابات حرة نزيهة و بعد ترك الفرصة للتيارات المختلفة لتعرض ما لديها من الأفكار وتدافع عنها ولا يمكن بعد نصر الشعب المتمثل في الثورة أن يكون أخر كلامه نعم أم لا على تعديلات تحدد في الغرف المغلقة ثم تعرض عليه بدون ترك الفرصة إليه لعرض أفكار بديلة. لقد إكتسب الشعب نتيجة ثورته الناجحة حق وضع دستور جديد للبلاد يعكس طموحاته ونظرته للمستقبل كما إنه إكتسب حق إختيار من يحكمه ويعبر به المرحلة القادمة من تاريخه
إن أي حديث عن تعديل الدستور بعد إجراء الانتخابات لهو عبث ولعب بمقدرات البلاد، فهذا المجتمع الذي تربى على ثقافة الفرعون لا يعقل أن ينتخب فرعون ثم يوكل إليه بتغير النظام، كما إن إنتخاب أي رئيس بناءً على الدستور الحالي حتى بعد ترقيعه لهو إعطاء شرعية لدستور قد ثار عليه المصريون و رفضوه، ثم إن هذا الرئيس المنتخب والذي يفترض فيه أنه يطمح لتحسين أحوال البلاد لن يحول البلاد إلى نظام برلماني يقلل من سلطته و يصعب من مهمته. ولعل هذه النقطة الأخيرة هي السبب الحقيقي الذي جعل الجيش لا يطرح أو يتكلم عن النظام البرلماني حتى لا يقلل من سلطته التي اكتسبها عبر ال٦٠ سنة الماضية
وأنا هنا أرفض تماماً فكرة أن تضع مجموعة متخصصة مهما كانت نزاهتها الدستور ثم يكون للمواطن أن يوافق عليها أو يرفضها -حتى وإن كان له رفض جزء والموافقة على الأخر- لأن هذه الفكرة لا تعطي للشعب حق إبداء أسباب الرفض أو إقتراح إطار بديل فعلى سبيل المثال لو اجتمعت لجنة كلها مشهود لها بالنزهة واختارت أن يكون نظام الحكم رئاسي وكتبت دستور ممتاز بناءً على هذا الاختيار ثم عرضته على الشعب وأنا شخصياً أفضل النظام البرلماني فإن هذا الاسلوب لوضع الدستور يمنعني حقي في تحديد الاطار العام للدستور الجديد
لا أنادي بأن يكتب الدستور ٨٠ مليون مواطن ولكني أنادي بأن يتم استفتاء شعبي على الاطار الأساسي للدستور بحيث يكون للشعب حق الاختيار بين الأفكار المتعددة مثل تحديد فترات الحكم أم تركها مفتوحة أو جعل الاسلام مصدر التشريع أم غيره كالقانون الفرنسي أم الانجيل أو إتخاذ نظام برلماني أم رئاسي وهذه الأسئلة لا يملك حق تحديد الاجابة عليها إلا الشعب ثم يكون للجان المتخصصة صياغة المواد بتفاصيلها بناءً على نتيجة الاستفتاء
انني أرى إن أهم سؤال يواجه الشعب الأن من أجل وضع الدستور الجديد هو عن نظام الحكم؛ هل يكون برلماني أم رئاسي ؟
للتعرف عن الفرق إضغط هنا : نظام برلماني | نظام رئاسي (موقع ويكيبيديا)
و بما انني فرد في هذا المجتمع فإنني أرى أن نتحول إلى دولة برلمانية للاسباب الأتية
١- التخلص من فكرة الفرعون
٢- إعطاء جميع الطوائف السياسية الفرصة للمشاركة الفعالة وتحديد خارطة المستقبل دون استئثار فريق عن الأخر
٣- الوسطية في تحديد إتجاه الدولة والبعد عن ايديولوجيه بعينها، وقد رأينا تأثير الاشتراكية في عصر عبد الناصر والرأسمالية في السنوات الأخيرة
٤- صعوبة التحكم الخارجي في إتجاه البلاد لأنه يصعب التأثير على مجتمع بأكمله بينما يسهل السيطرة على شخص بعينه
٥- إختيار الشعب لحكومته عن طريق إختياره للمجالس التشريعية
٦- سهولة كشف الفساد وخاصةً لأن الأحزاب المتنافسة تحاول الاستئثار برضا الشعب
٧- سهولة إسقاط الحكومة إذا ارادت الأغلبية الإنفراد بإتجاه غير توافقي للحكم
كما يجب علينا أن ننوه إنه في هذه المرحلة الانتقالية تكون مميزات النظام البرلماني مضاعفة حيث إن المجتمع لا يعلم بالضرورة برامج الأحزاب المختلفة وأن هذه الأحزاب لم تجرب برامجها بصورة عملية ولم يكن لها دراية كاملة بوضع المجتمع بسبب إحتكار السلطة من قبل مجموعة صغيرة جداً في الحزب الوطني و لذلك فإن نظام برلماني يعطي لكل الأحزاب الممثلة فرصة للتعرف على بطائن الأمور بدلاً من خلق فرعون جديد و إقصاء المعارضة عن الحكم.
الرد على انتقادات الموجهة للنظام البرلماني
١- عدم إستعداد المجتمع: هذا النقد قد ظهر فساده بعدما أذهل هذا المجتمع العالم أجمع بهذه الثورة العظيمة، ثم إن كان المجتمع غير مستعد فمن باب أولى إن تكون الحكومة ائتلافية حتى يسهل تغيرها وتضطر إلى التوسط
٢- سوف يفوز الاخوان أو الوطني لأن لهم تنظيم على الأرض: النظام البرلماني سوف يعطي صوت لكل الشعب في كل بقاع الجمهورية و الحدود الجغرافية هي أكثر لصالح الأحزاب التي هي أقل تنظيما ولديها أقل الموارد حيث أن كل مرشح يحتاج إلى حملة فقط في منطقتة ولكن النظام الرئاسي سوف يعطي تميز للاخوان والوطني لأنهم منظمين ونأخذ في الاعتبار أن الشباب والبرادعي وعمرو موسى و بعض الأحزاب (الغد و الوفد) لهم تواجد على الأرض وإلا بما نفسر إن الثورة قامت في كثير من محافظات مصر بدون مشاركة الوطني أو الاخوان في بدايتها
٣- إحتياج المجتمع لقائد وحيد قوي: ولعل هذا السبب من العقم بانه لا يستحق إجابة عليه ولكن يكفي أن يقال اننا لسنا بحاجة إلى فرعون جديد
ملخص الفترة القادمة
٠- الافراج عن كل معتقلي الثورة والمعتقلين السياسيين في أسرع وقت بحسب القانون
١- عمل إستفتاء على إطار و هيكل الدستور
٢- وضع دستور جديد للبلاد
٣- محاكمة المقصرين وعلى رأسهم الرئيس السابق محاكمة عادلة وليست على صفحات الجرائد ومنع النشر فيه هذه القضايا مع التعهد بجعل أوراق القضايا (التي لا تضر بالأمن القومي) متاحة للعامة بعد إنتهاء المحاكمة
٤- إلغاء حالة الطوارئ
٥- الاسراع بالإعلان عن المرشحين للرئاسة (في حالة النظام الرئاسي) ومرشحين البرلمان (في حالة نظام برلماني) حتى يتثنى للاحزاب والأشخاص عرض برامجهم وأفكارهم
٦- إجراء إنتخابات في زمان لا يزيد عن 6 أشهر من اليوم في حالة نظام برلماني و-1 سنة في حالة النظام الرئاسي
ويجب علينا
١- متابعة هذه الخطوات والنزول إلى الشارع إذا لم تتحقق
٢- عدم الالتهاء بالأسئلة الفرعية والتفاصيل وعدم السماح للمجلس العسكري أو لحكومات تسير الأعمال أن تغير مسار البلاد فهي غير منتخبة
٣- الرفض التام لإجراء إستفتاء 19 مارس ورفض كل أساليب فرض الأمر الواقع أو إقصاء الشعب عن تحديد مساره
د./ طارق علي المصيلحي
tarek_moselhy@yahoo.com